جديد الإعلانات :

العنوان : خطبة وعظية في التذكير ببعض أحداث يوم القيامة

عدد الزيارات : 1439

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله فهي وصية الله لعباده أولهم وآخرهم قال تعالى {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ } [النساء: 131] وأمر الله عباده أن يتقوه التقوى الحقيقية التي تحملهم على فعل طاعته وترك معصيته حتى يلقوا ربهم جل وعلا فقال سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [آل عمران: 102] واعلموا عباد الله:

أن أهوال يوم القيامة أهوال عظيمة وأحداثه أحداث جسيمة ولا ينجي العبدَ منها بعد فضل الله إلا تقوى الله  لذا أمر الله عباده فقال سبحانه وتعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: 1، 2]

وذلك أن الناس يحشرون في عرصات القيامة حشراً طويلاً ثم يفصل الله بين عباده وينادي الله آدم أبا البشر عليه السلام بصوت فيقول الله له : ” يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟، قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ “

نعم عباد الله إنه من شدة الخوف حين يسمع الناس كثرة الهالكين في جهنم وقلة الناجين منها فلا ينجو من النار من الألف إلا واحد، من شدة الفزع والرعب والخوف يشيب الصبي الوليد، وتضع الحوامل ما في بطونهن وتذهل المرضعات عن أولادهن أحبَّ شيء إليهن. وترى الناس حين يموج بعضهم في بعض وهم في صورة السكارى يتخبطون وليس فيهم سكران بل هم صاحون يقظون “ولكنّ عذاب الله شديد”. ولشدة الموقف يوم القيامة فإن الأواصر تتقطع بين الأقارب والأحبة إلا من رحم الله فلا غرابة أن تذهل المرضعة عن رضيعها قال تعالى {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) } [عبس: 33 – 40]

ولما سمع الصحابة هذه النسبة المخيفة شق عليهم ذلك فقالوا : ” يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيُّنَا ذَلِكَ الوَاحِدُ؟ قَالَ ” أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ ” فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: «أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ» فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: «أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ» فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: «مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ» متفق عليه.

فاتقوا الله عباد الله واستعدوا لذلك اليوم العظيم بالإيمان الصحيح والعمل الصالح ولا تغرنكم الحياة الدنيا بلهوها وزخرفها وغرورها فإن أمامكم يوم عظيم، قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي إليه المرجع والمآب، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له الغفور الرحيم التواب، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم النبين وإمام المرسلين، وأول شافع وأول مُشَفَّع في يوم الحساب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يومِ ينشقُ عن الموتى التراب.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله وراقبوا ربكم في السر والعلن فإن الله لا تخفى عليه خافية قال تعالى {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} فمن راقب الله في سره وعلنه وحفظ قلبه وجوارحه نجى يوم الآزفة وهو القيامة وإنما سماه الله بذلك لقربه وكل آت قريب.

إن الله تعالى مع إحاطة علمه بعباده إلا أنه سبحانه لكمال عدله يقيم الشهود على أعمال عباده فتشهد عليهم صحائف أعمالهم وتشهد عليهم ملائكتهم التي تحصي عليهم وتشهد عليهم أعضاؤهم وتشهد عليهم الأرض التي عملوا عليها ما عملوا من طاعة ومعصية وخير وشر وتلك هي أخبارها التي قال الله في شأنها {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا}.

وحري بكل عاقل يريد لنفسه السلامة يوم يهلك أكثر الناس، ويريد لنفسه السعادة يوم يشقى أكثر الناس، ويريد لنفسه الفوز يوم يخسر أكثر الناس، أن يتقي الله حق تقواه بذكر ربه وعدم نسيانه، وبطاعته واجتناب عصيانه، وشكره لمولاه والحذر من كفرانه، والمبادرة إلى التوبة من ذنوبه وأدرانه. فإذا تفرق الناس بعد الحشر وصدر الهالكون إلى جهنم صدر هو بفضل الله ثم بما قدم من عمل صالح إلى جنات الخلد قال تعالى {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ}.

اللهم اجعلنا من المؤمنين الذين عملوا الصالحات، واجعل مصيرنا وعاقبة أمرنا إلى الجنات، وأعذنا يا ربنا ومولانا من النار، لا إله إلا أنت العزيز الغفار.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا اللهم وفق إمامنا وولي عهده لما تحب وترضى وخذ بنواصيهم للبر والتقوى. اللهم هيئ لهم البطانة الصالحة الناصحة، وانصر بهم دينك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، واقمع بهم أهل الزيغ والنفاق والفساد. الله اغفر للمسلمين والمسلمات، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *