جديد الإعلانات :

العنوان : فضل العفو عن القصاص ومفاسد المبالغة في شروط التنازل عن القصاص خطبة مكتوبة

عدد الزيارات : 115

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن محاسن الدين الإسلامي أنه حرّم العدوان على النفوس بالقتل أو بما دون القتل ظلماً وعدواناً وجعل جريمة العدوان على الأنفس بغير حق مسلمة كانت أو كافرة من كبائر الذنوب وعظائم الآثام وموبقات العباد في دنياهم وأخراهم.

قال تعالى (ومن يقتل مؤمنا متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً) فهذا الوعيد في حق من قتل مؤمناً متعمداً وقال صلى الله عليه وسلم في شأن من قتل كافراً بغير حق “من قتل معاهداً لم يرح رائح الجنة”.

عباد الله: إن الله تعالى شرع القصاص في قتل العمد وجعله الحق الأصلي لورثة المقتول فقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} وبين الحكمة من تشريع القصاص فقال تعالى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ومعنى ذلك أن تشريع القصاص وتنفيذه من أسباب انكفاء الناس عن القتل لأن الإنسان إذا حدّثته نفسه أن يقتل وتذكر أنه سيقتل به انكفّ عن القتل، كما أن الناس إذا رأوا تنفيذ القصاص في القتلة دخلهم الرعب والخوف من ذلك المصير إذا قتلوا؛ فيكفون عنه فتحيا بذلك أرواح كثيرة، وتعم المجتمع الأمن والطمأنينة.

ومع إعطاء الشرع حق القصاص للورثة فإنه رغبهم مع ذلك في العفو عن القصاص إلى الدية فقال تعالى {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فجعل التنازل عن القصاص إلى الدية تخفيفاً ورحمة ترغيباً فيه وحثاً عليه بعد أن كان القصاص هو المتحتم قبلنا في شريعة موسى عليه السلام.

وأمر الله تعالى في الآية الكريمة من تنازل عن القصاص إلى الدية أن يطلب الدية بالمعروف أي فلا يطلب أكثر مما يستحق. وأمر الجاني ومن معه أن يؤدوا الدية المطلوبة منهم بإحسان فلا يماطلونهم ولا يعنتونهم في استيفاء الذي لهم.

ومن عجائب هذه الآية الكريمة أنها عبّرت عن العلاقة بين الجاني وورثة المجني عليه بالأخوّة فقال تعالى (فمن عفي له من أخيه شيء) فأخوة الإيمان والدين قائمة لم تنقطع بارتكاب جريمة القتل، وما دامت الأخوة قائمة أي فعليكم مراعاة هذه الأخوة والتعامل بمقتضاها من الإحسان والمعروف.

وهناك عفو أعظم من التنازل عن القصاص إلى الدية وهو العفو مطلقاً ابتغاء ما عند الله من الأجر والثواب في الآخرة، قال صلى الله عليه وسلم  «مَا عَفَا رَجُلٌ عَنْ مَظْلِمَةٍ إلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا»  رواه مسلم ، وقال صلى الله عليه وسلم  «مَا مِنْ رَجُلٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً وَحَطَّ بِهِ عَنْهُ خَطِيئَةً» رواه الترمذي وقال صلى الله عليه وسلم «ثَلَاثٌ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنْ كُنْتُ لَحَالِفًا عَلَيْهِنَّ: لَا يَنْقُصُ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ فَتَصَدَّقُوا وَلَا يَعْفُو عَبْدٌ عَنْ مَظْلِمَةٍ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَفْتَحُ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.

ولحرص النبي صلى الله عليه وسلم على العفو لما فيه من الأجر والثواب وحسن العاقبة قال أنس بن مالك : «مَا رُفِعَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَمْرٌ فِيهِ الْقِصَاصُ إلَّا أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ» رواه أبو داود أي شفع لدى أهل الحق أن يعفو عن الجاني. فهذه الدرجة هي خير الدرجات وأعظمها أجراً وثواباً.

نسأل الله تعالى أن يعافينا وإياكم من القتل والعدوان، وأن يديم على بلادنا الأمن والاطمئنان أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}

إخوة الإيمان: إن الصلح عن القصاص بمبلغ أكثر من الدية جائز شرعاً كما دلت عليه الأدلة ولكن المستوى الذي بلغته مبالغ الصلح المطلوبة للتنازل عن القصاص من بعض الورثة في السنوات الأخيرة خرجت عن حدود العقل والمروءة و ما يُفهم من حدود الشرع ومقاصده. إذ نرى المطالبات تصل إلى عشرات الملايين استغلالاً لحرص الجاني وأقاربه على عتق رقبته من السيف.

أيها الإخوة: إن هذه المبالغات ينبغي التعاون على القضاء عليها لما فيها من المفاسد الكبيرة، منها :

أولاً: أن فيها حرجاً عظيماً وتعسيراً بالغاً على أهل القاتل وقرابته بغير ذنب اكتسبوه إذ سيبذلون الغالي والنفيس من أموالهم، وسيريقون ماء وجوههم سراً وعلناً لجمع الأموال، وقد تضطر كثير من النساء من زوجات أو أمهات أو بنات إلى الوقوف الطويل على أبواب المحسنين والمساجد للسؤال والطلب وتعريض أنفسهن للمهانة أو للفتنة.

ثانياً: أنها قد تورث الأحقاد والعداوات بين أهل الجاني والمجني عليه لما أعنتوهم وشقوا عليهم بطلب المبالغ الخيالية التي يعلم الجميع أنها لم تطلب إلا اغتناماً سيئاً لضعف أهل القاتل بقصد التربح السريع وكسب عشرات الملايين بأسهل طريق من خلال التصميم على المبلغ المطلوب كاملاً أو القصاص. كما قد تسبب العداوة بين الورثة أنفسهم بسبب ما يقع من الخصومات فيما بينهم عند توزيع هذه الأموال.

ثالثاً: أن هذه المطالبات بالمبالغ الكبيرة قد تجر أولياء القاتل إلى الكذب وتلفيق القصص الخيالية لاستدرار عطف المحسنين ليسارعوا للبذل والعطاء فإذا كُشف كذبها أضرت بصدق أهل الصدق في الحوادث الأخرى، كما قد يُستغل جزء من هذه الأموال المجموعة في أنشطة محذورة، كما أنها قد تشجع بعض سماسرة الدماء على المشورة برفع مبالغ الصلح بالطرق الملتوية ليكون لهم نصيب أكبر حين تنجح الوساطة ويقبل الصلح ويتم جمع الأموال.

رابعاً: أنها ستقلل من نماذج العفو والصفح أو الاكتفاء بالديات المقدرة شرعاً لأن أهل كل قتيل يرون الملايين التي دخلت على أمثالهم فيطمعون في مثلها فلا يعفون ولا يتنازلون إيثاراً للعاجل على الآجل واقتداء بمن سبقهم في هذا الطريق.

خامساً: أنها تعطي صورة إعلامية سيئة غير حقيقية عن مجتمعنا المسلم العربي السعودي الشهم النبيل الذي يحرص أكثر أبنائه على التحلي بمكارم الأخلاق ومنها العفو والصفح والنبل وحب الإحسان وبذل المعروف والرضا بحكم الشرع والقضاء.

فتأتي هذه الحوادث فتعطي انطباعاً للناس أننا مجتمع مادي أناني لا محل فيه للعطف والشفقة، وهذه جناية على المجتمع لأن الواقع العام غير ذلك والحمد لله. فلنتناصح عباد الله فيما بيننا بالبر والتقوى ولنشجع من أصيب في بعض أهله أو قرابته على العفو والصلح لا سيما إذا كان الجاني ممن ليس من أهل الإجرام والشرور، ولنذكرهم بما وعد الله به العافين والمحسنين ولنذكرهم أن ما عند الله خير وأبقى، وأن العز والرفعة هي في العفو. فإن لم يكن ثمة مجال للعفو فالوصية بعدم المطالبة على ما زاد عن الدية. نسأل الله أن يعافينا وإياكم من هذه الابتلاءات إنه سميع مجيب. اللهم آمنا في دورنا واصلح أئمتنا وولاة أمورنا اللهم وفق إمامنا وولي عهده بتوفيقك وأيدهم بتأييدك وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة يا رب العالمين، اللهم أصلح أحوال بلاد المسلمين وأنزل عليها الأمن والسكينة والطمأنينة برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *