جديد الإعلانات :

العنوان : كلمة إلى الدور النسائية لتعليم القرآن الكريم

عدد الزيارات : 2940

الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراًوالصلاة والسلام على من أرسله ربه مبشراً ونذيراً وداعيا إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وعلى آله وصحبه الذين اعتنوا بكتاب الله تلاوة وحفظا وعلماً وعملاً فنالوا خيراً كثيراً وأجراً كبيراً، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن عناية المرأة المسلمة بكتاب الله تعالى عنوان سعادتها فإن القرآن رحمة وهدى وموعظة وبشرى وشفاء لما في الصدور كما قال تعالى {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 1، 2] وقال تعالى { قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 97]. وقال تعالى {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 57، 58]

وإن مما يسر كل مؤمن ومؤمنة ما نراه من انتشار الدور النسائية المتخصصة في العناية بكتاب الله حفظاً وتلاوة وتجويداً وتفسيراً. وإن مما يزيد من نفع هذه الدور إن شاء الله العناية بالمسائل التالية:

الأولى:

العناية بتدريس العقيدة الصافية النقية كما جاءت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكما كان عليه سلف هذه الأمة فإن التوحيد هو الأساس الذي تقوم عليه الأعمال الصالحة كلها. وإن من أحسن الكتب التي يحسن تقريرها على منسوبات دور التحفيظ الرسائل المختصرة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كالقواعد الأربع والأصول الستة والأصول الثلاثة، ونواقض الإسلام العشرة وأن يعتنى في إيضاحها بشروح كبار علماء السنة في هذا العصر كسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز والعلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمهم الله والعلامة صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله وأمثال هؤلاء ممن عرفوا بالسنة والعقيدة الصحيحة. فهذه المتون إذا قررت وحفظت وفهمت معانيها على مقتضى عقيدة السلف الصالح كان فيها العصمة بإذن الله من الزيغ والزلل وكان فيها العون على فهم الآيات المتعلقة بالتوحيد والعقيدة والإيمان.

الثانية:

العناية بتربية المتعلمات على لزوم السنن واجتناب البدع والمحدثات ولا سيما ما ينتشر في القنوات الفضائية الدينية التي تجد رواجاً بين الأسر التي تحسّن فيها الظن ومن ذلك الأناشيد المسماة بالإسلامية وإنما هي أناشيد أحدثها الصوفية لتزاحم علم القرآن والسنة ولتكون وسيلة لجمع الناس وتكثيرهم ولتمرر فيها العقائد الفاسدة. ومن ذلك تأويل الصفات وتحريفها فإن هذه القنوات في الغالب لا تتورع عن استضافة الأشاعرة الذين يؤولون الصفات ويحرفونها عن معانيها الصحيحة. ومن ذلك التبرك بفضلات مشايخ الطرق كلعابهم وفضلات وضوئهم فإن من أشهر هذه القنوات من يستضيف من يقوم بذلك ويجاهر به ويقرره لمشاهديه ومتابعيه. فما لم يكن عند المسلم والمسلمة بصيرة وبينة وعقيدة صحيحة فإنه سيغتر بهذه البدع لحسن ظنه في القنوات الدينية ومن يظهر فيها، إذ يظن أنها محافظة في العقيدة كما أنها في نظره محافظة في باب الآداب والأخلاق.

الثالثة:

العناية التامة بتحذير منسوبات دور القرآن والذكر من خطر الجماعات الإرهابية التي تتستر بستار الدعوة إلى الله فإنها تفرق المجتمع المسلم إلى شيع وفرق وأحزاب، وتربي المتأثرين بها على بغض ولاة الأمور وعداوتهم، وعلى النفرة من علماء السنة الذين يحذرون من بدع الجماعات وخطرها، بل تربيهم على بغضهم وعدواتهم إذا كانوا لا يخشون من تبعات الطعن فيهم صراحة. وهي بذلك تسلك مسلك الفرق الضالة كالخوارج والمعتزلة والصوفية التي تفصل أتباعها عن العلماء لينفرد دعاتها بهم فيصوغوا أفكارهم كما يشاؤون. وتسلك مسلك الخوارج والمعتزلة في إثارة الرعية على ولاة الأمر وتزيين الخروج عليهم باسم انكار المنكر والغيرة على الدين والجهاد في سبيل الله. وهم دائماً يمهدون للخروج المسلح بنشر الطعن في العلماء وولاة الأمور بذكر معايبهم ومساوئهم وكتم محاسنهم وطيّب أقوالهم وأفعالهم حتى إذا امتلأت القلوب ببغضهم نقلوهم بعد ذلك إلى تكفيرهم وإقناعهم بمشروعية الخروج عليهم. وينبغي أن يُعلم أنّ تحذير حفاظ وحافظات القرآن من فكر الخوارج لا يعني ذلك تخوينهم ولا اتهامهم ابتداءً ولكنّه من باب الحذر عليهم لأن الخوارج الأُولى كانوا أهل عناية بحفظ حروف القرآن وتلاوته لكن دون علم بمعانيه ولا فقه في أحكامه فهلكوا كما قال صلى الله عليه وسلم «إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا، لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» متفق عليه، ولذا لـمّـا ألف السلف كتباً في فضائل القرآن وفضائل أهله أدخلوا في هذه الكتب الأحاديث المحذرة من الخوارج ومنهم الفريابي والنسائي وابن كثير والإمام محمد بن عبد الوهاب وغيرهم. وقد ذكرت كتب التاريخ أن عمر بن الخطاب أرسل عبد الرحمن بن ملجم إلى أهل مصر يعلمهم القرآن فقد كان جيداً في حفظه وتلاوته ولكنه بعد سبعة عشر عاماً من موت عمر رضي الله عنه نجده يتقرب إلى الله بقتل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعدما انتكست فطرته وانحرفت عقيدته لأنه لم يقرأ القرآن على وجه ينفعه والعياذ بالله. وكذلك لا يُؤمن أن يستغل هذه الدور ويعمل فيها من لديه عقيدة خارجية فاسدة لتكون ستاراً لعمله لا سيما وقد صرح بعض منظري هذه الحركات أنهم يستغلون الجمعيات الخيرية لنشر أفكارهم والعياذ ومناهجهم من خلالها. وقد صدر عن كبار علمائنا ولجنة الإفتاء وهيئة كبار العلماء الكثير من الفتاوى والبيانات التي تحذر من الجماعات الضالة الإرهابية ومن أعمالها ورموزها وبأسمائها ما يجلي الحق ويدحض الباطل والحمد لله فينبغي نشر هذه الفتاوى في الدور وتبصير المتعلمات بها وترغيبهم في قراءتها وفهمها ولو من خلال المسابقات والجوائز التشجيعية ليعم النفع بها.

الرابعة:

العناية بمسلك علمائنا وأئمة دعوتنا في التعامل مع أخطاء العلماء الربانيين الذين عرفوا بتعظيم الكتاب والسنة وتعظيم علم السلف والعناية بخدمة الكتاب والسنة تفسيراً للقرآن وشرحاً للسنة وتبياناً للحلال والحرام ولكن زلّت بهم القدم في بعض مسائل العقيدة كبعض مسائل الصفات وبعض مسائل الإيمان ونحو ذلك ومنهم على سبيل المثال العلامة النووي والحافظ ابن حجر رحمهما الله. فإن كبار العلماء قديماً وحديثاً ما زالوا يوقرون هؤلاء العلماء ويدعون لهم ويترحمون عليهم ولا يحكمون عليهم بالابتداع عيناً فضلاً عن تكفيرهم وإخراجهم من الملة، وإنما يحثون على مؤلفاتهم ويدْرُسونها وتُقرأ عليهم وينقلون عنها في فتاويهم ومؤلفاتهم مع التحذير من زلاتهم وأخطائهم.

الخامسة:

العناية بفهم القرآن وتفسيره وفق القواعد المقررة لدى علماء السنة وذلك بتفسير القرآن بالقرآن وتفسيره بالسنة وتفسيره بأقوال الصحابة وتفسيره على مقتضى لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم. والحذر من فتح باب القول في القرآن بغير علم تحت ذريعة التدبر فإن التدبر الصحيح فرع عن الفهم الصحيح وليس معنى التدبر أن يستنبط القارئ من الآية ما يتبادر إلى فهمه دون أصول قويمة وضوابط صحيحة فإنه انتشر في وسائل التواصل الحديثة تلاعبٌ كثير بمعاني القرآن تحت شعار التدبر والعياذ بالله وهو نتيجة تجريء العوام والعاميات وأشباههم على الاستقلال بفهم القرآن من عند أنفسهم. وقد قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتابه فضائل القرآن: باب وعيد من قال في القرآن برأيه وبما لا يعلم، وقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} إلى قوله: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}. وعن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من قال في القرآن برأيه” وفي رواية: “من غير علم فليتبوأ مقعده من النار” رواه الترمذي وحسنه، وعن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ” رواه أبو داود والترمذي وقال: غريب. ” اهـ

وختاماً:

أنبه إلى أن انتشار الدور المعنية بتحفيظ القرآن الكريم في بلادنا الحبيبة المملكة العربية السعودية هو من مظاهر عناية هذه الدولة بكتاب الله تعالى ولا غرابة في ذلك فإن هذه الدولة قامت على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عقيدة السلف الصالح فالولاء لها ومحبتها والدعاء لحكامها ولزوم السمع والطاعة لهم في المعروف هو المتعين على كل رعيتها ولا سيما أهل العلم وأهل القرآن لأنهم يحفظون ويعلمون من أدلة وجوب السمع والطاعة والنصح لولاة الأمور ومن أدلة فضل التوحيد والسنة وفضل من يعتني بها وينصرها ويرفع منارها ما لا يعلمه غيرهم فالحجة عليهم أقوم والعمل بها عليهم ألزم. والحمد لله رب العالمين.

كتبه

د. علي بن يحيى الحدادي

الأستاذ المساعد بقسم السنة وعلومها

الجمعة 6/ 1 /1438هـ

One comment

  1. جزاكم الله خيرًا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *