جديد الإعلانات :

العنوان : وبشر الصابرين خطبة مكتوبة

عدد الزيارات : 1375
image_pdfimage_print

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

 أمّا بعد: فاتقوا الله تعالى واعلموا أن الله تعالى يبتلي عباده بما يشاء من أنواع الابتلاء فلا راد لقضائه ولا معقب لحكمه وما على العبد إلا أن يشكر ربه إذا ابتلاه بالسراء وأن يصبر إذا ابتلاه بالضراء فيكون في كل أحواله فائزاً بالأجر الجزيل حائزاً على الثواب العظيم كما قال صلى الله عليه وسلم «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» أخرجه مسلم.

عباد الله:

لقد وعد الله الصابرين على مر القضاء من مرض في جسد. أو فقد والد أو ولد. أو نقص في مال أو تنغيص حال أو تكدير بال أو مخافة أو مجاعة أو غير ذلك من صنوف البلايا ومن أنواع الرزايا. وعدهم الله إذا صبروا بالبشائر العظيمة فقال تعالى {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) } أي الذين يُسَلُّون أنفسهم عند نزول المصيبة بتذكير أنفسهم أنهم ملك لله تعالى يتصرف فيهم بما يشاء، وهو أرحم الراحمين أرحم بعبده من الأم بولدها وهو أحكم الحاكمين سبحانه . فما ظنك بمالك رحيم حكيم؟ فإذا تأملوا ذلك علموا أن الله أراد بهم الخير في هذا الابتلاء فصبروا على مرارته ورضُوا بقدره وقضائه.

وتَسلَّوا عند المصيبة أيضاً بتذكيرهم أنفسهم أنهم إلى الله راجعون أي كلٌّ سيموت ويفنى ويذهب ويبلى، ثم يبعثون يوم الجزاء والحساب فمن صبر واحتسب ورضي فله الدرجات العلى ومن جزع وتسخط. ولامَ ربَّه. وسب قدره. رجع بالصفقة الخاسرة والعياذ بالله حيث نزلت به المصيبة ثم فاته أجر الصبر عليها واكتسب إثم التسخط عليها ثم هو بعد ذلك سينسى ويسلى. شاء ذلك أم أبى.  فلو صبر واحتسب لكان خيراً له في العاجل والآجل.

نعم عباد الله : إن هذه الكلمة العظيمة (إنا لله وإنا إليه راجعون) هي نعم الملجأ لكل مصاب ونعمتِ العصمة لكل ممتحن، فما أحسن اللَّهَج بها  عند نزول المصائب مع استحضار معناها لعظم نفعها في تخفيف وقع المصيبة وحصول الطمأنينة ونزول السكينة مع ما فيها من الأجر العظيم ولذا قال تعالى مبشراً أهلها (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) أي لهم ثناء عند الله تعالى. ولهم مغفرةٌ يغفر بها آثامهم، ورحمةٌ يجبر بها مصابهم ويُحْسِن بها عاقبتهم ويُخْلِفُ عليهم بها خيراً مما أَخذ منهم.

وقد جاء في السنة النبوية حث المسلم أن يزيد على الاسترجاع دعاء طيباً مباركاً حميد العاقبة فقد ثبت في صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: « سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ” مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} ، اللهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا “، قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا، فَأَخْلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».

فاهتدوا بما هداكم الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم في كل أحوالكم من نعمة أو ابتلاء وسراء أو ضراء. فإن الهدى هدى الله . أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين .

أما بعد:

فإن الصبر لله تعالى من أعظم العبادات. وهل أدرك السابقون ما أدركوا بعد فضل الله تعالى عليهم إلا بالصبر، ومنه الصبر على أقدار الله المؤلمة وقد وعد الله الصابرين بالوعود العظيمة الكريمة فبشرهم بمعيته الخاصة فقال: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } وبشرهم بمحبته لهم فقال تعالى { وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}  ووعدهم أن يثيبهم على الصبر ثواباً لا عدَّ له فأجره كالغيث المنهمر قال تعالى {ِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}

وعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” إِذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ ” رواه الترمذي وحسنه. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ، إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ، إِلَّا الجَنَّةُ ” رواه البخاري.

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” إِنَّ اللَّهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ ” يعني : عينيه.  رواه البخاري.

وفي الابتلاء بالأمراض ولو قلّتْ تكفير الذنوب ورفعة الدرجات وبلوغ المنازل العليا التي لا يبلغها العبد بعمله قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ» رواه البخاري. وقال صلى الله عليه وسلم «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» متفق عليه. وقالت عائشة رضي الله عنها «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» متفق عليه. وذلك ليضاعف له الثواب وليتأسى به كل مصاب.

اللهم اجعلنا من عبادك السعداء الذين إذا أُعطوا شكروا واذا ابتُلُوا صبروا وإذا أذنبوا تابوا واستغفروا. اللم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين واحم حوزة الدين وانصر جنودك الموحدين. اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا بتوفيقك وأيده بتأييدك وأصلح له البطانة وشد أزره وعضده بولي عهده وولي ولي عهده واجعلهم رحمة للعباد والبلاد برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان اللهم ولِّ عليهم خيارهم  واصرف عنهم شرارهم واجعل هذا البلد آمنا مطئمنا وسائر بلاد المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحيات منهم والأموات. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

image_pdfimage_print

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *