جديد الإعلانات :

العنوان : من صور العفة وشيء من فوائدها خطبة مكتوبة

عدد الزيارات : 1134

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله وراقبوه في السر والعلن واستقيموا على سنة نبيكم ﷺ فإنها خير سَنن، واحذروا البدع والمحدثات في الدين، وعوذوا بالله مولاكم من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.

عباد الله :

إن العفة عما حرم الله ، وكبح جماح النفس عن الانغماس في ملذاتها، والتعفف عما في أيدي الناس هو من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم ومعارج السؤدد والكرم، و هو سبيل عظيم إلى الظفر بمحبة الله ومحبة الخلق، وإلى الفوز بإجابة الدعوات وتفريج الكربات، والاستظلال بظل الله يوم لا ظل إلا ظله، كما أن العفة من أسباب وراثة الفردوس الأعلى.

فمن أعظم صور العفة عفة الفرج عن الحرام أي عن الزنا وعن اللواط وعن السحاق وعن كل متعة جنسية محرمة قال تعالى في وصف المؤمنين المفلحين :  {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} ثم قال {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}ثم بين جزاءهم فقال { أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.

ومن لم يكن له من الحلال ما يستمتع به فعليه بالصبر ولزوم العفة طلباً لمرضاة الله وليجتهد في تحصيل أسباب النكاح فإن صدقت نيته فإن الله تعالى يعينه ويجعلُ له من أمره يسراً قال ﷺ ” ثلاثة حق على الله عونهم المجاهد في سبيل الله والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف” رواه الترمذي وحسنه.

وإلى أن يتهيأ له النكاح فعليه أن يأخذ بأسباب التقوى والعصمة من الزلل وذلك بالصيام وغض البصر والبعد عن مواطن الفتن قال ﷺ للشباب : «مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» متفق عليه. وقال تعالى للمؤمنين جميعاً سواء كانوا متزوجين أو غير متزوجين ذكوراً وإناثاً { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ }.

ومن قرأ سورة يوسف رأى أن عاقبة العفة والصبر عن المحارم ومجاهدة هوى النفس عاقبة حميدة لا تعادلها اللذات المحرمة مهما بلغت فتنتها فبعد أن ذكر الله تعالى صبر يوسف عن الفاحشة صبراً يريد به وجه الله وما منّ الله عليه به من الملك والتمكين قال تعالى {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} ثم نبه عباده إلى أن كل متعفف ابتغاء وجهه له نصيبه من إكرام الله له ورحمته وفضله فقال : ” {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ }.

ومن فوائد عفة الفرج خوفاً من الله إجابة الدعوات وتفريج الكربات ففي قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم فم الغار وأيقنوا بالموت إن لم يخلصهم الله تعالى فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم فقال أحد الثلاثة: “اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي ابْنَةُ عَمٍّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا، فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ فَلَقِيتُهَا بِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ، وَلاَ تَفْتَحِ الخَاتَمَ، فَقُمْتُ عَنْهَا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا. فَفَرَجَ لَهُمْ فُرْجَةً” متفق عليه.

ومن عواقب العفة عن الشهوة الحرام أنها سبب للاستظلال بظل الله يوم القيامة قال ﷺ : “سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم رجلا دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله”.

اللهم إنا نسألك غض الأبصار وحفظ الفروج والاستغناء بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك إنك سميع الدعاء، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله يعز من خافه واتقاه ويذل من خلاف أمره وعصاه والصلاة والسلام على صفيه وخليله ومجتباه وعلى آله وصحبه ومن والاه ومن استن بسنته واقتفى أثره واتبع هُداه.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن من أعظم صور العفة أيضاً العفة عن المال الحرام والعفة عن سؤال الناس ما في أيديهم والقناعة بالحلال الطيب المباح ولو كان قليلاً فقد مدح الله تعالى فقراء المهاجرين فقال سبحانه  {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}.

ومن فوائد التعفف عن سؤال الناس محبة الناس قال ﷺ ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس” رواه ابن ماجه وقواه الألباني بمجموع طرقه.

ومن أعظم ثمرات التعفف عن المال الحرام وعما في أيدي الناس دخول الجنة قال ﷺ : “أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ” رواه مسلم.

فعلى صاحب الحاجة أن يجد ويجتهد في طلب الكسب المباح بعمل يده وعرق جبينه وأن لا يلجأ إلى سؤال الناس ولو كان شديد الحاجة قال النبي ﷺ لأبي ذر “يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرَأَيْتَ إِنْ أَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ شَدِيدٌ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ مِنْ فِرَاشِكَ إِلَى مَسْجِدِكَ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ ” قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: “تَعَفَّفْ ” رواه أحمد وغيره.

ومن علم الله منه التعفف لكريم وجهه أغناه من واسع فضله قال ﷺ «مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ لاَ أَدَّخِرْهُ عَنْكُمْ، وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» متفق عليه.

عباد الله: إذا كان هذا موقف الشرع المطهر الحنيف الشريف من سؤال الناس وهم يعطون السائل غالباً بطيب نفس منهم، فكيف إذن بما يأخذه المسلم بغير وجه حق كالسرقة والغصب والغش والرشوة والربا وأكل مال اليتيم وغيرها من المكاسب المحرمة. فمن أكل شيئاً من المال حراماً فليبادر إلى التوبة منه ورد المظالم إلى أهلها أو استحلالهم منها، قبل أن تكون عذاباً عليه في قبره، وعذاباً عليه مدة حشره، وعذاباً عليه في نار جهنم إن لم يتجاوز الله عنه.

هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله فقد أمركم الله بذلك في قوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.

اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين  لما تحبه وترضاه من الأقوال والأفعال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح لهم البطانة يا ذا الجلال والإكرام. اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا وارحم موتانا، اللهم ارحم موتى المسلمين ونور لهم في قبورهم وافسح لهم فيها واجعلها لهم روضة من رياض الجنة برحمتك يا أرحم الرحمين. عباد الله! اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروا له على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

One comment

  1. جزاك الله خير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *