جديد الإعلانات :

العنوان : من أحكام الشتاء (خطبة مكتوبة)

عدد الزيارات : 3102

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن من حكمة الله وآيات قدرته اختلافَ الفصول وتعاقبَها لتتم بها مصالح العباد في أقواتهم وأرزاقهم وأسفارهم وليتفكروا في عجيب قدرة الله تعالى على تقليب الزمان من برد إلى حر ومن حر إلى برد ومن طول إلى قصر ومن قصر إلى طول قال تعالى (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} وإذا كان سبحانه وتعالى هو وحده القادر على ذلك لا يشاركه فيه أحد من خلقه فهو إذن المستحق وحده للعبادة لا يشاركه في استحقاقها ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي ولا شجر ولا حجر.

أيها الإخوة في الله: بمناسبة دخول فصل الشتاء يحسن التذكير ببعض الأحكام والآداب المتعلقة به على وجه الاختصار فمنها : أن فصل الشتاء كما يقول بعض السلف غنيمة باردة للمؤمن يسهل صيام نهاره لقصره ويسهل قيام ما تيسر من ليله لطوله، ونعم العبادتان صيام النهار وقيام الليل. عباد الله إن الأيام والليالي مراحل تقربنا الى الآخرة وتباعدنا من الدنيا ولا ينفعك في الآخرة بعد فضل الله ورحمته إلا ما قدمته أمامك من الإيمان والعمل الصالح فاستكثر يا عبد الله من فعل الخير وعمله. إنك في هذه الدنيا في سفر إلى الآخرة ولا بد للسفر من زاد وتذكر قول الله تعالى {ومَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَاب)

ومنها: أن من الناس من لا يُتمُّ وضوءه أو غسله الواجب فيدع بعض المواضع لا يمسها الماء بسبب برودة الماء وهذا منكر عظيم فقد قال صلى الله عليه وسلم (ويل للأعقاب من النار)، وهكذا كل جزء أُمرنا بغَسله في الوضوء ويل له من النار إذا لم يغسل بسبب التفريط والتهاون. ومن فضل الله علينا أن يسر لنا ما نسخن به الماء دون مؤنة ولا مشقة فله الحمد والمنة.

ومنها أنه تنبغي العناية بفقه أحكام المسح على الخفاف والجوارب وما شابهها لكثرة لبس الناس لها في البرد، والخلاصة في ذلك أن مَن لَبِس الخفين الطاهرين الساترين للقدم مع الكعبين بعد أن يفرغ من الوضوء فله أن يمسح عليهما يوماً وليلة إذا كان مقيماً ويمسحَ عليهما ثلاثة أيام بلياليها إذا كان مسافراً. والمدة لا تبدأ من بداية اللبس إنما تبدأ من أول مسحة بعد الحدث. وهكذا يجوز المسح على العمامة إذا كانت تغطي أكثر الرأس فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الخفين وأنه مسح على العمامة. وهذا من فضل الله وتيسيره على عباده فديننا دين اليسر لا حرج فيه ولا عسر والحمد لله على فضله وإحسانه قال تعالى (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) وقال تعالى ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). ومن الأحكام أيضاً أن بعض الناس إذا اشتد به البرد سبّه وشتمه والله يقول في الحديث القدسي (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار) والمعنى أنك حين تسب البرد أو الحر إنما تسب من خلقه لأن الله هو الذي خلق الدهر وخلق ما فيه من ليل ونهار وبرد وحر ونعيم وبؤس. وأما الوصف دون سب وشتم كهذه ليلة باردة أو يوم حار ونحو ذلك فلا بأس به كما قال لوط عليه السلام (هذا يوم عصيب).

ومن الأحكام أيضاً أنه ينبغي الأخذ بأسباب السلامة عند الاستدفاء بالنار والجمر فقد جاء في الحديث (إن هذه النار إنما هي عدو لكم فإذا نمتم فأطفئوها عنكم) رواه ابن ماجه. وفي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله – رضى الله عنهما – رفعه قال « خمروا الآنية ، وأوكوا الأسقية ، وأجيفوا الأبواب ، واكفتوا صبيانكم عند العشاء ، فإن للجن انتشارا وخطفة ، وأطفئوا المصابيح عند الرقاد ، فإن الفويسقة _ يعني الفأرة_ ربما اجترت الفتيلة فأحرقت أهل البيت» والمقصود أن النار قد تحرق صاحبها إذا نام عندها وقد تقتله اختناقاً إذا كانت في مكان مقفل فخذوا بأسباب السلامة تجنباً للعواقب الوخيمة.

كذا ينبغي البعد عن الأودية عند التنزه فإن كثيراً من الناس يخاطرون بأنفسهم وبأهليهم فيقطعون الأودية في حال الخطر غير مبالين بقول الله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم) وقوله تعالى {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} مع ما يصحب هذا الاستهتار من إشغال الجهات المعنية بسلامة الأرواح عن واجباتها الرئيسية. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد:فاتقوا الله عبادش الله وتذكروا بشدة البرد شدة الزمهرير في جهنم فإن أشد البرد الذي نجده إنما هو أحد النَفَسين اللذَّين أذن الله لجهنم بهما ففي الحديث المتفق عليه قال صلى الله عليه وسلم : “اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا ربِّ أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنَفَسين: نَفَس في الشتاء ونَفَس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير”

وتذكروا أيضاً الفقراء والمحتاجين من إخوانكم ممن لا يجد ما يستدفئ به فعودوا عليهم بالصدقة والإعانة ومن كان في خارج بلادكم من اللاجئين والمشردين فأعينوهم لكن عن طريق الجهات الرسمية حتى تصل إلى مستحقيها لا إلى من يستغلها في أمور أخرى.

معاشر المؤمنين صلوا وسلموا على المبعوث رحمة للعالمين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداءك أعداء الدين واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا اللهم وفق إمامنا خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين إلى ما تحب وترضى وخذ بنواصيهم للبر والتقوى. اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم ارحم موتى المسلمين واغفر لهم ونور لهم في قبورهم وافسح لهم فيها اللهم املأها عليهم ضياء ونوراً وسعادة وسروراً يا أرحم الراحمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار . عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله اكبر والله يعلم ما تصنعون.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *