تَعْظِيمُ الأَيْمَانِ وَحِفْظُهَا | حماية البيئة والمرافق العامة | التحذيرُ من التنجيمِ والمنجمينَ | التحذير من بدع رجب، والوصية بحفظ باقي الأطعمة. | توجيهات شرعية مختصرة بمناسبة الشتاء | عناية الإسلام بالمرأة | التحذير من الفساد المالي والإداري |

العنوان : تَعْظِيمُ الأَيْمَانِ وَحِفْظُهَا

عدد الزيارات : 219

تَعْظِيمُ الأَيْمَانِ وَحِفْظُهَا

الخطبة الأولى

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَجَلِّ مَظَاهِرِ التَّقْوَى تَعْظِيمَ جَنَابِ الرَّبِّ -جَلَّ وَعَلَا-، وَإِجْلَالَ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ؛ فَإِنَّ تَعْظِيمَ مَنْ حَلَفْتَ بِهِ تَعْظِيمٌ لَهُ سُبْحَانَهُ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ لِلْيَمِينِ فِي دِينِ اللَّهِ مَكَانَةً عَالِيَةً، وَشَأْنًا عَظِيمًا؛ فَهِيَ عَهْدٌ غَلِيظٌ، وَمِيثَاقٌ مُؤَكَّدٌ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِحِفْظِهَا فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ}. وَحِفْظُ الْيَمِينِ يَتَنَاوَلُ أُمُورًا ثَلَاثَةً: أَنْ لَا يَحْلِفَ الْمَرْءُ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَأَنْ يَكُونَ صَادِقًا بَارًّا فِي يَمِينِهِ، وَأَنْ يُؤَدِّيَ الْكَفَّارَةَ إِنْ حَنِثَ فِيهَا.

لَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ- يَنْشَؤُونَ عَلَى تَعْظِيمِ الْيَمِينِ لِمَا فِي الْقَلْوبِ مِنْ هَيْبَةِ اللَّهِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: “كَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ وَنَحْنُ صِغَارٌ”؛ وَذَلِكَ لِتَنْشَأَ النُّفُوسُ عَلَى الصِّدْقِ، وَتَتَرَبَّى عَلَى احْتِرَامِ الِاسْتِشْهَادِ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ الَّذِي يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَحْلِفَ بِهِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ، أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ كَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ، أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ كَعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَكَلَامِهِ الَّذِي مِنْهُ الْقُرْآنُ؛ فَالْحَلِفُ عِبَادَةٌ وَتَعْظِيمٌ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِخَالِقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ.

وَمَنْ حَلَفَ عَلَى أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ أَنْ يَفْعَلَهُ أَوْ لَا يَفْعَلَهُ، ثُمَّ رَأَى غَيْرَهُ خَيْرًا مِنْهُ، أَوْ غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ فَلَمْ يَفِ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ وَقَعَ فِي “الْحِنْثِ”. وَهنا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَفَّارَةً لِيُحَلِّلَ بِهَا يَمِينَهُ، وَقَدْ رَتَّبَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى التَّخْيِيرِ أَوَّلًا ثُمَّ التَّرْتِيبِ، فَقَالَ: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [المائدة: 89]. فَلَا يَعْدِلُ الْعَبْدُ إِلَى الصِّيَامِ إِلَّا إِذَا عَجَزَ عَنِ الْإِطْعَامِ أَوْ الْكِسْوَةِ، وَهَذَا مِمَّا يَغْفَلُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ.

عِبَادَ اللَّهِ: احْذَرُوا الْمُخَالَفَاتِ الْعَظِيمَةَ الَّتِي تَقْدَحُ فِي التَّوْحِيدِ أَوْ تُنْقِصُهُ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ، وَمِنْ أَخْطَرِهَا:

الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ: فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَحْلِفَ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَلَا بِالْأَمَانَةِ، وَلَا بِالْكَعْبَةِ، وَلَا بِحَيَاةِ فُلَانٍ، وَلَا بِرَأْسِ فُلَانٍ؛ فَالْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ]. فَمَا أَعْظَمَ جَهْلَ مَنْ يُعَظِّمُ الْمَخْلُوقَ كَمَا يُعَظِّمُ الْخَالِقَ بِالْحَلِفِ بِهِ!

ثَانِيًا: كَثْرَةُ الْحَلِفِ: إِنَّ تَهَاوُنَ الْمَرْءِ بِالْيَمِينِ، يُذْهِبُ هَيْبَةَ الرَّبِّ مِنَ الْقَلْبِ، وَيُنْقِصُ تَعْظِيمَهُ فِي النُّفُوسِ، وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ مَنْ كَانَ هَذَا شَأْنَهُ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ}. وَيَشْتَدُّ الْإِثْمُ حِينَ تُتَّخَذُ الْأَيْمَانُ مَطِيَّةً لِلْمَطَامِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْبَاعَةِ مِنْ تَرْوِيجِ السِّلَعِ بِالْأَيْمَانِ الْفَاجِرَةِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ زَاجِرًا عَنْ ذَلِكَ: «الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]

ثَالِثًا: الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ شَرَعَهُ اللَّهُ لِفَكِّ عُقْدَةِ النِّكَاحِ عِنْدَ اسْتِحَالَةِ الْعِشْرَةِ، لَا لِلتَّهْدِيدِ وَالْمُزَاحِ أَوْ حَثِّ الضُّيُوفِ. وَمِنْ خُطُورَتِهِ أَنَّهُ تَلَاعُبٌ بِكِتَابِ اللَّهِ وَحُدُودِهِ، لقوله تعالى في شأن الطلاق {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا}، وأَنَّهُ يُعَرِّضُ الْأُسْرَةَ لِلضَّيَاعِ وَالتَّشَتُّتِ؛ فَرُبَّمَا وَقَعَ الطَّلَاقُ وَبَانَتْ مِنْهُ زَوْجَتُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ. 

فاربؤوا بعُقُودَ النِّكَاحِ عَنِ الِابْتِذَالِ، وَاحْفَظُوا بُيُوتَكُمْ، وَلَا تَجْعَلُوا مِيثَاقَ اللَّهِ الْغَلِيظَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ وَطَيْشِ أَلْسِنَتِكُمْ.

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: فاتقوا الله عِبَادَ اللَّهِ، واحْذَرُوا نَوْعًا مِنَ الْأَيْمَانِ لَا كَفَّارَةَ لَهُ لِعِظَمِ جُرْمِهِ، وَقُبْحِ فِعْلِهِ، وَهُوَ “الْيَمِينُ الْغَمُوسُ”؛ وَهِيَ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ الَّتِي يَقْصِدُ بِهَا صَاحِبُهَا أخذَ حَقِّ أَخِيهِ بغير حق، أَوْ تَرْوِيجَ بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ. سُمِّيَتْ غَمُوسًا لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ ثُمَّ تَغْمِسُهُ فِي النَّارِ. قَالَ ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].

وَمِنَ الْمُخَالَفَاتِ أَيْضًا: التَّسَاهُلُ فِي أَدَاءِ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ الْحِنْثِ، فَيَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الِاعْتِذَارَ أَوْ الِاسْتِغْفَارَ يَكْفِي، أَوْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الصِّيَامَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِطْعَامِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ التَّفْرِيطِ فِي أَوَامِرِ اللَّهِ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يُعَظِّمُونَ شَعَائِرَكَ، وَيَحْفَظُونَ أَيْمَانَهُمْ كما أمرتهم. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ. اللَّهُمَّ وفق إمامنا وولي عهده لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِما لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. ورازقهم البطانة الصالحة الناصحة، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. عِبَادَ اللَّهِ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُعلمة بـ *