العنوان : مما لا يفسد به الصوم
الخُطْبَةُ الأُولَى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
أَمَّا بَعْدُ:
فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال “من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين” وإنّ مِنَ الْفِقْهِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَنِيَ بِهِ الْمُسْلِمُ فِي صَوْمِهِ:
أَنْ يَعْلمَ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ حَتَّى يَجْتَنِبَهُ وَيَحْفَظَ صَوْمَهُ، وَأَنْ يَعْلَمَ مَا لَا يُفْسِدُهُ حَتَّى لَا يُوقِعَ نَفْسَهُ فِي الْحَرَجِ فَيَجْتَنِبَ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ خَشْيَةَ الْفِطْرِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُفْطِّرٍ.
وَسَأَذْكُرُ فِي هَذَا الْمَقَامِ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- بَعْضَ أُمُورٍ لَا تُفَطِّرُ الصَّائمَ، وَيَكْثُرُ عَنْهَا سُؤَالُ النَّاس:
أولاً: بَلْعُ الرِّيقِ لَا يُفَطِّرُ، فَلِلصَّائِمِ أَنْ يَبْلَعَ رِيقَهُ وَلَوْ كَثُرَ وَتَتَابَعَ. أَمَّا النُّخَامَةُ أَوِ الْبَلْغَمُ فَإِذَا وَصَلَتْ إِلَى الْفَمِ وَجَبَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُهَا وَلَا يَبْلَعُهَا.
ثَانِيًا : لِلْمَرْأَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّنْ يُبَاشِرُ الطَّبْخَ أَنْ تَتَذَوَّقَ الطَّعَامَ لِمَعْرِفَةِ الْمِلْحِ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ تَلْفِظُهُ وَتَمُجُّهُ وَلَا تَتَعَمَّدُ بَلْعَهُ.
ثَالِثًا : لِلصَّائِمِ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَسْبَحَ مَعَ التَّحَرُّزِ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ إِلَى جَوْفِهِ، وَلَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ وَيَدَّهِنَ، وَلَكِنْ لَا يَسْتَنْشِقُ الْبُخُورَ.
رَابِعًا : لِلصَّائِمِ الَّذِي لَدَيْهِ ضِيقُ تَنَفُّسٍ وَنَحْوُهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْأُكْسُجِينَ وَالْبُخَارَ وَالْبَخَّاخَ حَالَ صِيَامِهِ وصومُهُ صحيح، أَمَّا إِذَا شَرِبَ دَوَاءً أَوْ بَلَعَ حُبُوبًا فَإِنَّهُ يُفْطِرُ بِهَا.
خَامِسًا : لِلصَّائِمِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْإِبَرَ غَيْرَ الْمُغَذِّيَةِ؛ مِثْلَ إِبْرَةِ الْبَنْجِ، وَالْإِبْرَةِ الَّتِي تُخَفِّضُ ارْتِفَاعَ السُّكَّرِ، وَالْإِبَرِ الْخَافِضَةَ لِلْحَرَارَةِ، سَوَاءً أُخِذَتْ عَنْ طَرِيقِ الْوَرِيدِ أَوِ الْعَضَلِ أَوْ تَحْتَ الْجِلْدِ.
سَادِسًا : لِلصَّائِمِ أَنْ يَخْلَعَ ضِرْسَهُ وَأَنْ يَسْحَبَ عَيِّنَةً لِتَحْلِيلِ الدَّمِ، وَإِذَا جُرِحَ فَخَرَجَ مِنْهُ دَمٌ أَوْ أَصَابَهُ رُعَافٌ فَصَوْمُهُ صَحِيحٌ وَلَا يَفْسُدُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا التَّبَرُّعُ بِالدَّمِ فَالْأَحْوطُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ إِلَى الليل.
سَابِعًا : لِلصَّائِمِ أَنْ يَكْتَحِلَ وَأَنْ يَسْتَعْمِلَ قَطْرَةَ الْعَيْنِ وَقَطْرَةَ الْأُذُنِ، وَأَمَّا قَطْرَةُ الْأَنْفِ فَلَهُ اسْتِعْمَالُهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا تَصِلَ إِلَى حَلْقِهِ، فَإِنْ وَصَلَتْ إِلَى جَوْفِهِ أَفْطَرَ.
ثَامِنًا: مَنِ احْتَلَمَ فِي نَوْمِهِ أَثْنَاءَ النَّهَارِ فَصَوْمُهُ صَحِيحٌ، وَمَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ لَمْ يَغْتَسِلْ بَعْدُ فَصَوْمُهُ صَحِيحٌ؛ فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ جِمَاعٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ ﷺ وَلَا يَقْضِي.
وَهَكَذَا الْحَائِضُ إِذَا طَهُرَتْ قُبَيْلَ الْفَجْرِ وَطَلَعَ الْفَجْرُ وَهِيَ لَمْ تَغْتَسِلْ بَعْدُ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا الصَّوْمُ وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، وَمِثْلُهَا النُّفَسَاءُ.
أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَحَافِظُوا عَلَى صِيَامِكُمْ مِنَ الْمُفْطِّرَاتِ الْحِسِّيَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّوْبَةِ وَالْقَضَاءِ؛ كَتَعَمُّدِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ والجِماع.
وحافظوا على صيامكم من الْمُفْطِرَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَهِيَ الذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي الَّتِي لَا تُفْسِدُ الصَّوْمَ وَلَكِنَّهَا تُنَافِي الْحِكْمَةَ مِنْ تَشْرِيعِه، وَتُضْعِفُ أَثَرَهُ فِي وِقَايَةِ الصَّائِمِ مِنَ النَّارِ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ: “مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ” رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُفْطِرَاتِ الْمُعَاصِرَةِ وَقَعَ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَحْتَاطَ لِصَوْمِهِ، فَمَا اخْتُلِفَ فِيهِ اخْتِلَافًا قَوِيًّا فَلْيُؤَخِّرْهُ إِلَى اللَّيْلِ إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي إِمْكَانِهِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى تَيْسِيرِ الدِّينِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ، (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ).
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِهُدَاكَ، وَاجْعَلْ عَمَلَهُمْ فِي رِضَاكَ، وَارْزُقْهُمْ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.