العنوان : التحذيرُ من التنجيمِ والمنجمينَ
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ مِنْ أُصُولِ الْعَقِيدَةِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَلَا: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}، وَقَالَ تَعَالَى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ}، وَقَالَ تَعَالَى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ}.
فَهَذِهِ الْآيَاتُ وَمَا جَاءَ فِي مَعْنَاهَا وَاضِحَةُ الْبَيَانِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى انْفَرَدَ بِعِلْمِ الْغَيْبِ، فَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ، وَإِنَّمَا يُطْلِعُ مَنْ شَاءَ مِنْ رُسُلِهِ عَلَى بَعْضِ الْمُغَيَّبَاتِ لِمَصْلَحَةِ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الْمُخَالِفِينَ، وَتَثْبِيتِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ. وَعَلَى هَذَا فَمَنِ اعْتَقَدَ فِي مَخْلُوقٍ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ تَعَالَى فِي خَبَرِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ أَحَدٌ سِوَاهُ، وَمُشْرِكٌ بِاللَّهِ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا فِي هَذِهِ الصِّفَةِ الْعَظِيمَةِ مِنْ صِفَاتِ رُبُوبِيَّتِهِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِهَا جَلَّ وَعَلَا.
عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَحْذَرَ أَشَدَّ الْحَذَرِ مِنَ الْفِتَنِ الَّتِي تُفْسِدُ عَلَيْهِ إِيمَانَهُ بِتَفَرُّدِ اللَّهِ تَعَالَى بِعِلْمِ الْغَيْبِ أَوْ تُنْقِصُ إِيمَانَهُ وَتُضْعِفُهُ، وَمِنْ تِلْكَ الْفِتَنِ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ:
فِتْنَةُ الْبَرَامِجِ التَّلِفِزْيُونِيَّةِ الَّتِي تَسْتَضِيفُ بَعْضَ الْكُهَّانِ وَالْكَاهِنَاتِ فِي بِدَايَةِ كُلِّ عَامٍ مِيلَادِيٍّ جَدِيدٍ يَتَحَدَّثُونَ فِيهَا عَنِ الْمُغَيَّبَاتِ الَّتِي سَتَقَعُ بِزَعْمِهِمْ فِي الْعَامِ الْمِيلَادِيِّ الْجَدِيدِ مِنْ حَرْبٍ وَسِلْمٍ، وَحَيَاةٍ وَمَوْتٍ، وَسِيَاسَةٍ وَاقْتِصَادٍ.
وَمِنْهَا فِتْنَةُ السَّحَرَةِ وَالْمُشَعْوِذِينَ وَالدَّجَّالِينَ الَّذِينَ يَقْصِدُهُمْ بَعْضُ ضُعَفَاءِ الْإِيمَانِ فَيَسْأَلُونَهُمْ عَنْ أَشْيَاءَ مَفْقُودَةٍ أَوْ يَسْأَلُونَهُمْ عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي سَتَقَعُ لَهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ زَوَاجٍ أَوْ وَظِيفَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا فِتْنَةُ صَفَحَاتِ الْأَبْرَاجِ فِي بَعْضِ الْمَجَلَّاتِ الْوَرَقِيَّةِ وَالتَّطْبِيقَاتِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ الَّتِي تَرْبِطُ بَيْنَ بُرْجِ الْإِنْسَانِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ وَبَيْنَ مَا سَيَقَعُ لَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ سَعَادَةٍ وَبُؤْسٍ وَنَجَاحٍ وَفَشَلٍ، وَغَيْرِهَا.
فَعَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا، أَوْ عَرَّافًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
فَدَلَّ الْحَدِيثَانِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَأَلَ الْكُهَّانَ وَصَدَّقَهُمْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمَنْ أَتَاهُمْ وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. أَيْ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ الصَّلَاةَ لَكِنْ لَا أَجْرَ لَهُ عَلَيْهَا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مُجَرَّدَ الْمَجِيءِ إِلَيْهِمْ -لِغَيْرِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ- غَلَطٌ عَظِيمٌ لِأَنَّكَ قَدْ تُفْتَنُ بِهِمْ وَتُصَدِّقُهُمْ بَعْدَ أَنْ كُنْتَ تُكَذِّبُهُمْ، وَقَدْ يَرَاكَ النَّاسُ وَأَنْتَ تَذْهَبُ إِلَيْهِمْ فَيَغْتَرُّونَ بِكَ وَيُقَلِّدُونَكَ فَيَذْهَبُونَ إِلَيْهِمْ.
فَهَلْ يَرْضَى الْمُسْلِمُ لِنَفْسِهِ الْكُفْرَ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَهَلْ يَرْضَى لِنَفْسِهِ أَنْ يَرْتَكِبَ خَطِيئَةً تَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَبُولِ صَلَاتِهِ الَّتِي هِيَ عَمُودُ دِينِهِ مُدَّةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ وَفَوِّضُوا أُمُورَكُمْ إِلَيْهِ، وَاحْذَرُوا سُنَنَ الْجَاهِلِيَّةِ وَخُرَافَاتِهَا كَإِتْيَانِ الْكُهَّانِ، وَقِرَاءَةِ الْكَفِّ وَالْفِنْجَالِ، وَالْخَطِّ فِي الرَّمْلِ، وَالتَّعَلُّقِ بِالْأَبْرَاجِ وَالطَّوَالِعِ، وَاعْتِقَادِ تَأْثِيرِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ. فَإِنَّهَا كُفْرٌ وَشِرْكٌ أَوْ ذَنْبٌ وَخَطِيئَةٌ كَمَا سَبَقَ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تُورِثُ أَصْحَابَهَا الضَّعْفَ وَالْقَلَقَ، وَسُوءَ الظَّنِّ بِاللَّهِ، مِصْدَاقًا لِخَبَرِهِ ﷺ وَاسْتِجَابَةً لِدُعَائِهِ، فَقَدْ أَخْبَرَ ﷺ أَنَّ مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ، وَدَعَا عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ بِغَيْرِ اللَّهِ أَنْ لَا يُتِمَّ اللَّهُ لَهُ قَصْدَهُ وَأَنْ لَا يَدَعَهُ فِي دَعَةٍ وَسَكِينَةٍ فَقَالَ ﷺ: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً، فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً، فَلَا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ».
أَمَّا تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ وَصِدْقُ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالْإِيمَانُ التَّامُّ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْيَقِينَ وَالطُّمَأْنِينَةَ وَرَاحَةَ الْبَالِ وَانْشِرَاحَ الصَّدْرِ، مَعَ سَلَامَةِ التَّوْحِيدِ وَالدِّينِ قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِهُدَاكَ، وَاجْعَلْ عَمَلَهُمْ فِي رِضَاكَ، وَارْزُقْهُمُ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.