العنوان : الذكاء الاصطناعي نعمة، ومسؤولية.
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَاسْتَعِينُوا بِنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى طَاعَتِهِ، فَشُكْرُ الْمُنْعِمِ جَلَّ وَعَلَا هُوَ طَاعَتُهُ بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ، وَبِالشُّكْرِ تَثْبُتُ النِّعَمُ وَتَدُومُ، وَبِكُفْرِهَا تُسْلَبُ النِّعَمُ وَتَزُولُ.
قَالَ تَعَالَى آمِراً عِبَادَهُ بِاسْتِعْمَالِ نِعَمِهِ فِيمَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَفِيمَا يَنْفَعُ فِي الدُّنْيَا فِي حُدُودِ مَا أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}.
وَمِنَ النِّعَمِ الْحَادِثَةِ مَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِالذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ، فَهُوَ مِنَ النِّعَمِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي تُسْهِمُ فِي تَسْهِيلِ حَيَاةِ النَّاسِ ؛
فَتُوَفِّرُ عَلَيْهِمُ الْجُهْدَ، وَتَخْتَصِرُ لَهُمُ الْوَقْتَ، وَتُقَرِّبُ لَهُمُ الْبَعِيدَ، فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا مُسْتَحْضِراً عِلْمَ رَبِّهِ بِهِ، وَاطِّلَاعَهُ عَلَيْهِ، وَوُقُوفَهُ غَداً لِلْحِسَابِ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وَقَالَ تَعَالَى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19].
إِخْوَةَ الْإِيمَانِ: إِنَّ مَا يَكْتُبُهُ الْإِنْسَانُ أَوْ يَتَلَفَّظُ بِهِ فَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ، وَمُؤَاخَذٌ بِهِ، وَمُجَازَى عَلَيْهِ؛ إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرّاً فَشَرٌّ، قَالَ تَعَالَى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، وَإِنَّ الْكَلِمَةَ مِنَ الشَّرِّ قَدْ يَتَهَاوَنُ بِهَا الْعَبْدُ لَكِنَّهَا عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمَةٌ، وَقَدْ أَعَدَّ لِصَاحِبِهَا الْعُقُوبَةَ الْأَلِيمَةَ، قَالَ ﷺ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ».
فَلْتَكُنْ أَقْوَالُكُمْ وَأَفْعَالُكُمْ وَكِتَابَتُكُمْ وَمُشَارَكَاتُكُمْ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ وَشَبَكَةِ الْإِنْتَرْنِتِ شَاهِدَةً لَكُمْ لَا عَلَيْكُمْ، وَفِي مِيزَانِ حَسَنَاتِكُمْ لَا سَيِّئَاتِكُمْ.
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مِنَ الِاسْتِخْدَامَاتِ السَّيِّئَةِ لِلذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ إِشَاعَةَ الْفَاحِشَةِ، وَنَشْرَ الْفَتَاوَى الْمُضَلِّلَةِ، وَنِسْبَةَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهَا، وَاتِّهَامَ الْأَبْرِيَاءِ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ، وَنَشْرَ الْعَقَائِدِ الْفَاسِدَةِ، وَالتَّرْوِيجَ لِلْأَخْلَاقِ السَّافِلَةِ، وَسَلْبَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالِاحْتِيَالِ وَالِاخْتِرَاقِ، وَهَتْكَ أَسْرَارِ الْبُيُوتِ وَكَشْفَ الْعَوْرَاتِ.
وَلَا يَشُكُّ مُسْلِمٌ فِي حُرْمَةِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ وَشَنَاعَتِهَا وَقُبْحِهَا؛ كَيْفَ لَا وَهِيَ تُنَافِي الشَّرْعَ وَالْعَقْلَ، وَالْفِطْرَةَ وَالْمُرُوءَةَ، قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}، وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا}، وَقَالَ ﷺ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ».
أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ عَلَى الْمُسْلِمِ مَعَ وُجُودِ تِقْنِيَّاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ، ذَاتِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّقْلِيدِ وَالْخِدَاعِ، عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّى وَيَتَثَبَّتَ فِيمَا يُنْشَرُ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ؛ فَلَا تُصَدِّقْ كُلَّ مَا تَرَى أَوْ تَسْمَعْ أَوْ تَقْرَأْ، وَلَا تُسَارِعْ بِنَشْرِ كُلِّ مَا يَصِلُ إِلَيْكَ ؛
لِقَوْلِهِ ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْماً أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ الذَّكَاءَ الِاصْطِنَاعِيَّ الْيَوْمَ يُسْتَغَلُّ اسْتِغْلَالاً كَبِيراً مِنْ قِبَلِ أَهْلِ الشَّرِّ: مُحِبِّي الْفِتَنِ، وَنَاشِرِي الْفَوْضَى، وَمُقَوِّضِي الْأَمْنِ، فِي نَشْرِ الشَّائِعَاتِ، وَالْإِرْجَافِ، وَإِفْسَادِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ، وَهَدْمِ النِّظَامِ الْأُسْرِيِّ، وَإِسْقَاطِ الثِّقَةِ بِأَهْلِ الْعِلْمِ الرَّاسِخِينَ فِيهِ؛ فَكُونُوا عَلَى حَذَرٍ تَامٍّ مِنْ أَيِّ مَادَّةٍ مَسْمُوعَةٍ أَوْ مَرْئِيَّةٍ أَوْ مَقْرُوءَةٍ تَخْدِمُ هَذِهِ الْأَفْكَارَ وَتَسْعَى لِتَحْقِيقِ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ، وَذَلِكَ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا وَعَدَمِ نَشْرِهَا وَعَدَمِ الِانْسِيَاقِ وَرَاءَهَا.
عَصَمَنِيَ اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ أَسْبَابِ سَخَطِهِ وَغَضَبِهِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ، وَاجْعَلِ اللَّهُمَّ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنّاً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِهُدَاكَ، وَاجْعَلْ عَمَلَهُمْ فِي رِضَاكَ، وَارْزُقْهُمُ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.
عِبَادَ اللَّهِ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى آلَائِهِ وَنِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرِ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.