العنوان : العشرة بالمعروف والمحافظة على الحياة الزوجية
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَاعْلَمُوا أَنَّ الزَّوَاجَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ، وَمِنْ أَعْظَمِ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، قَالَ تَعَالَى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
كَمَا جَاءَ التَّرْغِيبُ فِي النِّكَاحِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهِ لِعِظَمِ مَنَافِعِهِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) [النساء: 3]. وَقَالَ ﷺ: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء». وَحِينَ بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ بَعْضَ شَبَابِ الصَّحَابَةِ هَمُّوا بِالتَّبَتُّلِ وَتَرْكِ الزَّوَاجِ تَفَرُّغًا لِلْعِبَادَةِ غَضِبَ وَقَالَ: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام ، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) متفق عليه.
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ النِّكَاحُ نِعْمَةً عَظِيمَةً فَيَنْبَغِي الْمُحَافَظَةُ عَلَى اسْتِمْرَارِهِ، وَلَا يَسْتَمِرُّ النِّكَاحُ كَمَا يُرَادُ لَهُ إِلَّا فِي ظِلَالِ حَيَاةٍ آمِنَةٍ مُسْتَقِرَّةٍ، فَلْيَحْرِصْ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَكُونَ بَيْتُ الزَّوْجِيَّةِ بَيْتَ سَكَنٍ وَسُرُورٍ وَسَعَادَةٍ، وَذَلِكَ بِحُسْنِ الْعِشْرَةِ، فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الزَّوْجَيْنِ بِالْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وَقَالَ تَعَالَى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) [البقرة: 228].
وَيَدْخُلُ فِي الْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ طِيبُ الْمُعَامَلَةِ، وَالرِّفْقُ وَالرَّحْمَةُ، وَالتَّقْدِيرُ وَالِاحْتِرَامُ، وَالْمُبَادَرَةُ بِأَدَاءِ الْحُقُوقِ بِطِيبِ نَفْسٍ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا وَخَيْرَهُمْ لِأَهْلِهِ، فَكَانَ يُعَامِلُهُمْ بِالرِّفْقِ وَالرَّحْمَةِ، وَالْكَرَمِ وَالْجُودِ، وَالصَّبْرِ وَالْحِلْمِ، وَالصِّدْقِ وَالْعَدْلِ، وَكَانَ يَحْرِصُ عَلَى التَّطَهُّرِ وَالتَّطَيُّبِ وَاسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ، وَدَهْنِ شَعْرِهِ وَتَرْجِيلِهِ، وَكَانَ يَخْدِمُ نَفْسَهُ، وَيَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ فِي بَيْتِهِ. سُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ – تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ – فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ» رواه البخاري. وَقَالَتْ أَيْضًا: ” كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ ” رواه أحمد. وَهُوَ ﷺ لِأُمَّتِهِ الْأُسْوَةُ الْكَامِلَةُ، وَالْقُدْوَةُ التَّامَّةُ.
وَمِنَ الْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ مِنْ سَعَتِهِ بِلَا إِسْرَافٍ وَلَا بُخْلٍ، قَالَ تَعَالَى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) [الطلاق: 7].
وَلْيَحْتَسِبِ الرَّجُلُ نَفَقَةَ أَهْلِهِ، وَلْيَطِبْ بِهَا نَفْسًا، فَفِيهَا أَجْرٌ كَبِيرٌ، وَخَيْرٌ كَثِيرٌ، قَالَ ﷺ: «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ» رواه مسلم.
وَعَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُعَاشِرَ زَوْجَهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ إِحْسَانُ الْقَوْلِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى عِرْضِهِ وَبَيْتِهِ، وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ، وَأَنْ تَعْتَنِيَ بِنَفْسِهَا هَيْئَةً وَلِبَاسًا وَرِيحًا، وَأَنْ تُجِيبَهُ إِذَا دَعَاهَا، وَأَنْ تُطِيعَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَأَنْ تَخْدِمَهُ خِدْمَةَ أَمْثَالِهَا، وَأَنْ تُرَاعِيَ فِي مَطَالِبِهَا قُدْرَتَهُ الْمَالِيَّةَ، فَقَدْ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ» رواه النسائي وصححه الألباني.
وَمِنْ حُسْنِ الْعِشْرَةِ أَنْ يَعْمَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى إِزَالَةِ أَسْبَابِ الْغَمِّ، وَعَلَى إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى الْآخَرِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، فَإِنَّ إِدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى قَلْبِ الْمُسْلِمِ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، فَكَيْفَ بِإِدْخَالِهِ عَلَى الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ؟! قَالَ ﷺ: ” أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن سرورا أو تقضي عنه دينا أو تطعمه خبزاً” رواه ابن أبي الدنيا وحسنه الألباني.
وَمِنَ الْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يُحَافِظَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مَالِ صَاحِبِهِ فَلَا يَأْخُذُ مِنْ مَالِهَا شَيْئًا إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهَا، وَلَا تَأْخُذُ مِنْ مَالِهِ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ مَا دَامَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا وَعَلَى أَوْلَادِهَا، قَالَ ﷺ: ” لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ” رواه أحمد وصححه الألباني.
أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية:
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ مُهِمَّاتِ الْآدَابِ الزَّوْجِيَّةِ الْحِفَاظَ عَلَى أَسْرَارِ الْبُيُوتِ وَمَا يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَالْحَذَرَ مِنْ إِفْشَائِهَا؛ لِمَا يُفْضِي إِلَيْهِ إِفْشَاؤُهَا مِنَ الْإِثْمِ وَالْمَفَاسِدِ. عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا) رواه مسلم. قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: “وفي هذا الحديث تحريم إفشاء الرجل ما يجري بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع ، ووصف تفاصيل ذلك ، وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل ونحوه”.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ بُيُوتَنَا آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً، مَعْمُورَةً بِالطَّاعَةِ، مَغْمُورَةً بِالسَّعَادَةِ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِهُدَاكَ، وَاجْعَلْ عَمَلَهُمْ فِي رِضَاكَ، وَارْزُقْهُمُ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.