العنوان : نافذة لم تغلق من 1400 عام خيال لا حقيقة
للأباطيل المنسوجة بخيال واسع وعاطفة جياشة وبيان بليغ تأثير كبير على القارئ والسامع لا سيما إذا تعلقت بشخصيات ذات مكانة عند الناس.
وهذا ما اجتمع في هذه القصة التي هي موضوع المقال وخلاصة هذه الأكذوبة ” أن عمر ذهب ليقابل ابنته حفصة ويقنعها بإزالة بيتها لتوسعة المسجد النبوي، فبكت بكاءً عظيما ورفضت أن تترك حجرتها الشريفه التي كان ينام بها زوجها ﷺ، فتركها عمر وعاد إليها بعد يومين فوجد منها كما وجد سابقًا رفضت رفضًا قاطعًا، فلا أحد يرغب أن يتنازل عن حجرة شريفة كهذه. وبعد بضعة ليالي ذهب عمر برفقه ابنه عبدالله بن عمر إلى حفصة وبعد إلحاح شديد ومفاوضات طويلة، فقد جاء عمر وابنه عبدالله لحفصة بعرض مغري، وهو أن يتنازل عبدالله لأخته حفصة عن منزله وكان منزله بجوار منزل حفصه، وهو الواقع اليوم في الجهة المقابلة لقبر رسول الله كما هو موضح في الصور أدناه باللون الأحمر كن السيدة حفصة وافقت بعد أن اشترطت عليهم شرطا عظيما وعجيبا، وهو أن يفتحوا لها نافذة تكون مطلة على قبر زوجها وحبيبهاﷺ ولا تغلق ابدًا، فوعدها عمر بن الخطاب بذلك وفتح لها نافذة بناءً على طلبها، واستمر هذا الوعد حتى يومنا هذا وبعد ١٤٠٠ عام من وفاة حفصة وعمر مازالت نافذة حفصة تطل على قبر نبينا ﷺ. أن عمر رضي الله عنه أراد أن يهدم بيت حفصة ليدخله في المسجد وبعدَ رفض شديد لأنه مكان ذكرياتها مع رسول الله وافقت على أن تفتح لها نافذة تطل منها على القبر الشريف فوافق عمر على هذا الشرط وفتح لها نافذة فلم تغلق، وظل الخلفاء يتعاهدون هذه النافذة حتى لا تغلق منذ 1400 سنة”
انتشرت هذه القصة انتشاراً واسعاً وتنسبها بعض المقالات إلى كتب التاريخ للذهبي وابن كثير والسيوطي وغيرهم.
ولتصحيح المفاهيم وإبطال الخرافات أوضّح للقراء الكرام ما يلي:
أولاً: هذه القصة قصة مخترعة حديثاً، فلا ذكر لها في كتب الحديث والتاريخ والتراجم، ولم تعرف الا في هذا الوقت، ونسبتها إلى الأئمة الذهبي وابن كثير أو غيرهم من أهل العلم من الكذب عليهم، يراد به الترويج لها، وإقناع القراء بها، لأن من عادة أهل البدع والباطل إذا أرادوا الترويج لباطلهم نسبوه إلى بعض أهل العلم والفضل ليروج بين الناس، كما قال أيوب السختياني: “كَذَب على الحَسَن _يعني البصري_ ضَربَان من الناس: قومٌ القدَرُ رأيُهم وهم يريدونَ أن يُنَفِّقوا بذلك رأيَهم، وقوم له في قلوبهم شَنآنٌ وبغضٌ يقولون: أليس من قوله كذا؟ أليسَ من قوله كذا؟” [سنن أبي داود ت الأرنؤوط (7/ 29)] وقال شيخ الإسلام ابن تيمية”بَلْ كُذِبَ عَلَى جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَكْثَرَ مِمَّا كُذِبَ عَلَى مَنْ قَبْلَهَُ …حَتَّى إِنَّ كُلَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُنَفِّقَ أَكَاذِيبَهُ نَسَبَهَا إِلَى جَعْفَرٍ” [منهاج السنة النبوية (4/ 54)]
ثانياً: لم يُهدم بيتُ حفصة أصلاً ولم يدخل بيتُها في توسعة المسجد إلا بعد موت عمر رضي الله عنه فإن عمر t لما عزم على توسعة المسجد النبوي استبعد فكرة هدم بيوت أمهات المؤمنين فقد أخرج ابن سعد في الطبقات (4/ 15) من طريق سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ قَالَ: لَمَّا كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ فِي عَهْدِ عُمَرَ ضَاقَ بِهِمُ الْمَسْجِدُ فَاشْتَرَى عُمَرُ مَا حَوْلَ الْمَسْجِدِ مِنَ الدُّورِ إِلا دَارَ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَحُجَرَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عُمَرُ لِلْعَبَّاسِ: يَا أَبَا الْفَضْلِ إِنَّ مَسْجِدَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ ضَاقَ بِهِمْ وَقَدِ ابْتَعْتُ مَا حَوْلَهُ مِنَ الْمَنَازِلِ نَوَسِّعُ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مَسْجِدِهِمْ إِلا دَارَكَ وَحُجَرَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. فَأَمَّا حُجَرُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَلا سَبِيلَ إِلَيْهَا وَأَمَّا دَارُكَ فَبِعْنِيهَا بِمَا شِئْتَ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ أَوَسِّعُ بِهَا فِي مَسْجِدِهِمْ” اهـ.
ثالثاً: لما زاد عثمان رضي الله عنه في المسجد احتاج إلى بعضِ دار حفصة رضي الله عنها فلما كلمها قالت: كيف بطريقي إلى المسجد؟ فقال لها: نعطيك أوسع من بيتك ونجعل لك طريقاً مثل طريقك” فأعطاها مربداً عِوضاً عما أخذ من بيتها، وموقعها جنوب المسجد أي من جهة القبلة. [انظر: وفاء الوفا 2/86]
ولما ماتت حفصة رضي الله عنها ورثها أخوها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وبقيت هذا الدور ملكاً لآل عمر، حتى ولي الوليد بن عبد الملك فأمر عمر بن عبد العزيز أميره على المدينة بدأ العمل في توسعة المسجد، وإدخال بيوت أمهات المؤمنين في التوسعة.
فرفض آل عمر أن يبيعوا بيت حفصة وقال له عبيد الله بن عمر بن عبد الله بن عمر: ” لسنا نبيع هَذَا هُوَ فِي حق حَفْصَة، وَقد كَانَ النَّبِي ﷺ يسكنهَا، فَلَمَّا كثر الْكَلَام بَينهمَا قَالَ لَهُ عمر بن عبد الْعَزِيز: أجعَل لكم فِي الْمَسْجِد بَاباً وأعطيكم دَار الرِّقيق، وَمَا بَقِي من الدَّرَاهِم فَهِيَ لكم يَعْنِي الَّتِي تفضُل من الْعِمَارَة فَفَعَلُوا، فَأخْرج بابهم فِي الْمَسْجِد وَهِي الخوخة الَّتِي تخرج من دَار حَفْصَة رَضِي الله عَنْهَا” [انظر: تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف (ص: 282)]
والخوخة هي الباب الصغير [انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 2/86] ، وبقيت هذه الخوخة موجودة في جدار المسجد القبلي يدخل منه آل عمر من دورهم إلى المسجد حتى ولي المهدي الخليفة العباسي فسدَّ الْبَاب وَجعل شُبّاكاً حديداً في مكان الخوخة، وحَفر لَهُم من تَحت الأَرْض سرداباً يدخلون منه إلى داخل المسجد ويخرجون منه إلى دورهم وكان ذلك حين حجَّ عام 160هـ . [انظر: الدرة الثمينة في أخبار المدينة (ص: 117)]
واستمر هذا السرداب إلى 4 /11/ 888هـ حين أُغلق بأمر السلطان المملوكي قايتباي بسبب ما كان يقع فيه من الشرور والفساد أيام الحج. [انظر: وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى (2/ 233)].
والخلاصة:
أن هذا الشباك إنما وضع للدلالة على مكان الخوخة التي كان يدخل منها آل عمر إلى المسجد عام 160 أي بعد وفاة حفصة رضي الله عنها بـقرابة 120 عاماً والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.