الأسباب الشرعية الجالبة للرزق بإذن الله | قصة النافذة التي لم تغلق من 1400 عام: خيال لا حقيقة | مكانة الجمعة وبعض آدابها | تصحيح مفاهيم باطلة روجها بعض أصحاب ما يعرف بـ”نظام الطيبات” | التحذير من التسرع في الطلاق | العشرة بالمعروف والمحافظة على الحياة الزوجية | من فضائل شهر محرم والتحذير من بعض بدع الناس فيه |

العنوان : أهمية العناية بتربية الأبناء

عدد الزيارات : 2986

الْخُطْبَةُ الْأُولَى

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا).

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَبْنَاءَ أَمَانَةٌ عَظِيمَةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي أَعْنَاقِ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَنْ هَذِهِ الْأَمَانَةِ، قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَصَلَاحُ الْأَبْنَاءِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ، فَإِنَّ صَلَاحَهُمْ قُرَّةُ عَيْنِ الْوَالِدَيْنِ، وَسَبَبٌ لِاسْتِمْرَارِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَوَسِيلَةٌ إِلَى رِفْعَةِ الدَّرَجَاتِ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) [الْفُرْقَانِ: 74]. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

كَمَا أَنَّ إِهْمَالَهُمْ وَالتَّفْرِيطَ فِي تَرْبِيَتِهِمْ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ؛ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ حُقُوقِ الْأَوْلَادِ عَلَى آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ تَرْبِيَتَهُمْ عَلَى الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، وَتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَحَبَّتِهِ وَمُرَاقَبَتِهِ، وَغَرْسِ التَّوْحِيدِ فِي نُفُوسِهِمْ مُنْذُ الصِّغَرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْفَرَائِضِ، وَالِالْتِزَامِ بِآدَابِ الْإِسْلَامِ وَالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ وَالِاقْتِدَاءِ فِي ذَلِكَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، وَقَالَ تَعَالَى فِي وَصِيَّةِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، وَقَالَ تَعَالَى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا) [مَرْيَمَ: 54، 55].

وَإِنَّ مِنْ ضَرُورَاتِ التَّرْبِيَةِ حِمَايَةَ الْأَوْلَادِ مِنْ رِفَاقِ السُّوءِ، سَوَاءٌ كَانُوا أَصْدِقَاءَ فِي الْوَاقِعِ أَمْ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، وَتَوْجِيهَهُمْ إِلَى خُطُورَةِ الْمَوَاقِعِ الْمُدَمِّرَةِ لِلْأَخْلَاقِ، الْمُفْسِدَةِ لِلْقِيَمِ، الدَّاعِيَةِ إِلَى الْإِلْحَادِ وَالِانْحِلَالِ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَةَ لَهَا تَأْثِيرٌ كَبِيرٌ فِي تَشْكِيلِ الْفِكْرِ وَتَوْجِيهِ السُّلُوكِ. وَكَمْ مِنْ ظَالِمٍ لِنَفْسِهِ سَيَنْدَمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى صَدَاقَاتِهِ السَّيِّئَةِ وَيَقُولُ: (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي) [الْفُرْقَانِ: 28-29].

عِبَادَ اللَّهِ:

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ صَلَاحِ الْأَبْنَاءِ اللُّجُوءَ إِلَى اللَّهِ وَالْإِلْحَاحَ فِي دُعَائِهِ بِصَلَاحِهِمْ وَاسْتِقَامَتِهِمْ، وَحِفْظِهِمْ وَوِقَايَتِهِمْ، وَقِيَامِهِمْ بِطَاعَةِ رَبِّهِمْ وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ، كَمَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ فَقَالَ: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ)، وَقَدْ عَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدَهُ أَنْ يَقُولَ: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [الْأَحْقَافِ: 15]. وَكَانَ السَّلَفُ يَتَوَاصَوْنَ بِالدُّعَاءِ لِلْأَبْنَاءِ، فَقَدْ اشْتَكَى أَبُو مَعْشَرٍ ابْنَهُ إِلَى التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، فَقَالَ: اسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَتَلَا: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي).

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ ذُرِّيَّاتِنَا، وَاجْعَلْ لَنَا مِنْهُمْ قُرَّةَ أَعْيُنٍ، وَاحْفَظْهُمْ مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْعِنَايَةَ بِالْأَبْنَاءِ وَرِعَايَتَهُمْ وَحِفْظَهُمْ مِنَ الِانْحِرَافِ مَسْؤُولِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْأُسْرَةِ وَالْمَدْرَسَةِ وَسَائِرِ مُؤَسَّسَاتِ الْمُجْتَمَعِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَعَاوُنِ الْجَمِيعِ لِتَحْقِيقِ الْأَهْدَافِ الْمَنْشُودَةِ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)، وَحِينَ تُقَصِّرُ الْجِهَاتُ فِي مَسْؤُولِيَّتِهَا أَوْ تَعْمَلُ خِلَافَ مَا يُنْتَظَرُ مِنْهَا فَلَا بُدَّ أَنْ تَظْهَرَ آثَارُ التَّقْصِيرِ السَّيِّئَةُ، فِي الِانْحِرَافِ الْأَخْلَاقِيِّ، وَالضَّلَالِ الْفِكْرِيِّ، وَالسُّلُوكِ الْإِجْرَامِيِّ، وَالتَّفَكُّكِ الْأُسْرِيِّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. فَلْنَتَعَاوَنْ جَمِيعًا عَلَى مَا فِيهِ الْخَيْرُ لِأَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَبِمَا يَعُودُ بِالصَّلَاحِ وَالْعِزِّ لِأَوْطَانِهِمْ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِهُدَاكَ، وَاجْعَلْ عَمَلَهُمْ فِي رِضَاكَ، وَارْزُقْهُمُ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

تعليق واحد

  1. بارك الله فيك شيخنا الفاضل وأحسن الله إليك ونفع بك وبعلمك وجزاك الله خيرا


اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مُعلمة بـ *